الشيخ الطبرسي

489

تفسير جوامع الجامع

وهي يَومُ القِيَامَةِ ، وُصِفَتْ بالوقُوعِ لأنَّها تَقَعُ لا مَحَالَةَ . ( لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا ) نَفْسٌ ( كَاذِبَةٌ ) تَكْذِبُ علَى اللهِ ، وتَكْذِبُ في تَكْذيبِ الغَيْبِ ، لأنَّ كُلَّ نَفس حينئذ مؤْمِنَة صَادِقَةٌ مُصدِّقَةٌ ، وأَكثَرُ النُّفُوسِ اليَوم كَواذِبٌ مُكذِّباتٌ ، واللاَّمُ مثْلُها في قَولِهِ تعالى : ( قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ) ( 1 ) . وقيلَ : ( كَاذِبَة ) كالعَافِيَةِ بمعنَى التَّكْذيبِ من قَولِهِم : حَمَلَ فُلانٌ على قِرْنِهِ فَمَا كَذَب ، أي : فَمَا جَبُنَ ( 2 ) ، وحقيقَتُهُ : فَمَا كَذَّبَ نَفْسَهُ فيمَا حدَّثَتْهُ بِهِ من إطَاقَتِهِ لَهُ ، قَالَ زُهيرٌ : لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطَادُ الرِّجالَ إذا * ما اللَّيثُ كَذَّبَ عن أَقْرانِهِ صَدَقَا ( 3 ) أي : إذا وَقَعَتْ لَمْ يكُنْ لها رَجْعَةٌ ولا ارتدَادٌ . ( خَافِضَةٌ ) خَبَرُ مبتَدَأ محْذُوف أي : هي خَافِضَةٌ رافِعَةٌ . ( إِذَا رُجَّتِ الأْرْضُ رَجًّا ) أي : حُرِّكَتْ تَحْريكاً شَديداً حتَّى يَنْهدِمَ كلُّ شَيء فَوْقَها من جَبَل وبنَاء . ( وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ) وَفُتِّتَتْ حتَّى تَعُودَ كالسُّوَيْقِ ، أو : سِيقَتْ وَسُيِّرَتْ ، من : بَسَّ الغَنَمَ إذا سَاقَها . ( فَكَانَتْ هَبَآءً مُنْبَثًّا ) متَفرِّقاً ، وَينْتَصِبُ ( إِذَا رُجَّت ) ب‍ ( خَافِضَة رَافِعَة ) ، أو : على البَدَلِ من ( إِذَا وَقَعَتْ ) . ( وَكُنْتُمْ أَزْوَجاً ) أي : أَصْنَافاً ( ثَلَثَةً ) ، ( فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ) الَّذين يُعْطَوْنَ صَحَائِفَهُم بأَيْمَانِهِم ، ( وَأصْحَبُ الْمَشئَمَةِ ) الَّذين يُعطَوْنَها بشَمَائِلِهم ، أو : مَعْنَاهُما : أَصْحابُ المَنْزلةِ السَّنيَّةِ وأَصْحابُ المَنْزلةِ الدَّنيَّةِ ، من قَولِهِم : فُلانٌ من فُلان باليَمينِ أو بالشِّمَالِ : إذا وَصَفُوهُ بالرِّفْعةِ عنْدَهُ أو بالضِّعَةِ ، وذلك لِتَيَمُّنِهِم بالْمَيَامِنِ وَتَشَؤُّمِهِم

--> ( 1 ) الفجر : 24 . ( 2 ) قاله الزجّاج في معاني القرآن : ج 5 ص 107 . ( 3 ) البيت من قصيدة طويلة يمدح فيها رجلاً شجاعاً ، وعَثَّرَ : اسم موضع ، يقول : إذا كذَّب الفارس - أي جبن - عن أقرانه في الحرب صَدَقَ هو ونفذَ عزمه وقتلَ قرنه . أُنظر ديوان زهير : ص 43 وفيه : " ما كذّب الليث عن . . . " .